صديق الحسيني القنوجي البخاري

54

فتح البيان في مقاصد القرآن

وانظر كيف فهم اليهود عند سماع ألم فإنهم لما لم يجدوها على نمط لغة العرب فهموا أن الحروف المذكورة رمز إلى ما يصطلحون عليه من العدد الذي يجعلونه لها كما أخرج ابن إسحاق والبخاري في تاريخه وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس عن جابر بن عبد اللّه قال : مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال : تعلمون واللّه لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه ألم ذلِكَ الْكِتابُ فقال أنت سمعته فقال نعم ، فمشى حيي في أولئك النفر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك ألم ذلِكَ الْكِتابُ قال بلى قالوا أجاءك بهذا جبريل من عند اللّه ؟ قال نعم ، قالوا لقد بعث اللّه من قبلك الأنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك ، فقال حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه : الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة ؟ ثم أقبل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا محمد هل مع هذا غيره قال نعم قال وما ذاك قال : المص قال هذه أثقل وأطول : الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون ، فهذه إحدى وستون ومائة سنة ، هل مع هذا يا محمد غيره ، قال نعم وما ذاك قال : الر [ الحجر : 1 ] قال هذه أثقل وأطول : الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان ، هذه إحدى وثلاثون سنة ومائتان ، فهل مع هذا غيره قال نعم المر [ الرعد : 1 ] قال فهذه أثقل وأطول : الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان ، ثم قال لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا . ثم قاموا فقال أبو ياسر لأخيه حيي ومن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وستون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون سنة ، فقالوا لقد تشابه علينا أمره ، فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [ آل عمران : 7 ] . فانظر ما بلغت إليه أفهامهم من هذا الأمر المختص بهم من عدد الحروف مع كونه ليس من لغة العرب في شيء ، وتأمل أي موضع أحق بالبيان من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من هذا الموضع ، فإن هؤلاء الملاعين قد جعلوا ما فهموه عند سماع ألم ذلِكَ الْكِتابُ من ذلك العدد موجبا للتثبيط عن الإجابة له والدخول في شريعته ، فلو كان لذلك معنى يعقل ومدلول يفهم لدفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما ظنوه بادىء بدء حتى لا يتأثر عنه ما جاؤوا به من التشكيك على من معهم .